8 فبراير 2013 - 20:30

قال «السيد علي فضل الله» في خطبة صلاة الجمعة: نريد للحوار الجاد والموضوعي أن ينطلق في البحرين، فلا يقف عند حدود الإعلان، ولا يكون مادةً جديدةً للاستهلاك، أو مجرد مبادرة سياسية تُبقي هذا البلد في إطار المراوحة والانتظار، ريثما تنضج بعض الظروف السياسية الداخلية في البحرين أو المنطقة.

وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء _ ابنا _ ألقى «سماحة السيد علي فضل الله»، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في "حارة حريك" بلبنان، بحضور عددٍ من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشدٍ من المؤمنين.

ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، التّقوى الّتي تدعونا إلى الوحدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[آل عمران: 102-105].

قمة مصر: لتأكيد الوحدة

هذه هي الروح التي أردناها ونريدها أن تكون طابع المسلمين في علاقاتهم فيما بينهم، لنقدم من خلالها صورة الإسلام الحقيقية؛ إسلام الحقّ والعدل، إسلام الوحدة لا إسلام التفرقة والاختلاف..

وهذه الروح هي ما أردنا أن تعيشه اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي على مستوى القمة التي انعقدت في مصر، في وقتٍ أحوج ما تكون الدول الإسلامية إلى التعاون والتلاقي والتكاتف. لقد كنا نأمل من هذا المؤتمر الذي ضم بلداناً تملك مخزوناً كبيراً من القدرات والإمكانات البشرية والاقتصادية والمالية والاستراتيجية، فضلاً عن الفكرية والثقافية، أن يكون على مستوى طموحات الشعوب وآمالها، بحيث يعمل في هذه المرحلة على مواجهة القضايا والتحدّيات التي تواجه الإسلام والمسلمين.

كما أننا نأمل أن يعبر المؤتمر عن وحدة إسلامية، بحيث لا نشهد بعد اليوم استفراداً بدولة إسلامية من قبل أعدائها، ولا معاناة اقتصادية لبلد إسلامي، من دون أن يهب الجميع لمساعدته وإخراجه من محنته، ولا حروباً مباشرة وغير مباشرة بين هذه الدّول، ولا خوفاً من فتنة طائفيّة أو مذهبية.

إننا في هذه المرحلة الصعبة التي تعاني منها البلدان الإسلامية على مختلف الصعد، لا نحتاج إلى بيانات وتصريحات، بل إلى لقاءات جادّة لمعالجة كلّ الملفات المطروحة.

لقاءات دولية مطلوبة

ومن هنا، نظرنا بإيجابية إلى إعادة الحرارة إلى العلاقات بين مصر وإيران، لما يمثّله هذان البلدان على المستوى العربي والإسلامي، وهو ما نأمل أن يمتد إلى بلدان أخرى.

كذلك، فإننا ننظر بإيجابية إلى اللقاء الذي تم بين مصر وتركيا وإيران، والذي نأمل أن يتوسع ليشمل السعودية وبلداناً أخرى، لإخراج سوريا من نزيفها المستمر، وحتى لا تبقى أسيرةً لسياسات الدول الكبرى التي يبدو أنها تركت هذا البلد رهن الاستنزاف الداخلي الذي يهدد كل مواقع القوة فيه.

كما ننظر بإيجابية إلى اللقاء الذي تم بين رئيس جمهورية إيران الإسلامية وشيخ الأزهر، في جو من الصراحة التامة، والذي نتمنى أن يكون مقدمةً للقاءات مستمرة تسهم في إزالة الكثير من الأوهام، ومعالجة كل المشكلات التي تؤدي إلى توتر وانقسام في الساحة الإسلامية.

ولقد كنا ـ وما زلنا ـ نتطلع إلى دور ريادي للأزهر في التخفيف من الاحتقان الذي تشهده الساحة الإسلامية، وأن يبقى مكاناً جامعاً يلتقي فيه كل المسلمين. ومن هنا، فإننا ندعو إلى لقاءٍ إسلامي ـ إسلامي موسع، لتدارس ما تم الحديث عنه من تمددٍ لهذا المذهب أو ذاك في ساحة المذاهب الأخرى، أو الإساءة إلى صحابة رسول الله وأمّهات المؤمنين، أو الحديث عن تعرّض هذا المذهب للضغوط في هذا البلد أو ذاك، فلنناقش كل هذه القضايا بكل موضوعية وهدوء.

وفي الوقت الذي نعيد تأكيد ما أشرنا إليه سابقاً، وهو أن المشكلة لدى المسلمين ليست في تمدد هذا المذهب أو ذاك، أو تدخل هذا البلد الإسلامي أو ذاك.. فإننا لا نرضى بالإساءة إلى وحدة المسلمين وتماسكهم بأي حال من الأحوال، ولكننا نرى أن المشكلة هي من أولئك الّذين يعملون على إدخال الكفر والانحراف إلى واقعنا.. ومن أولئك الذين يعملون على نهب ثروات الأمة، وممن يهددون وحدتها وكل مواقع القوة فيها، ويعملون على تخويف المسلمين بعضهم من بعض، لأجل تثبيت قواعدهم العسكرية في بلداننا، وعقد صفقات السّلاح الكبرى التي يشترطون فيها عدم استخدام هذا السّلاح في مواجهة كيان العدو.

الحوار طريق الحل

ولذلك، فإننا نعيد التأكيد على أهمية الحوار الداخلي الجاد في الداخل المصري، فلا يستمر الاهتزاز الداخلي الذي يكاد يذهب بمنجزات الثورة، ويستهدف التجربة الجديدة التي نريدها أن تنجح في هذا البلد، كما نريد ذلك في تونس، بعد التوتر الذي نجم عن اغتيال أحد قادة المعارضة واتهام الإسلاميين بقتله، ونريد للحوار في سوريا أن ينطلق، وأن يشارك فيه الجميع، هذا البلد الذي أرهقه نزيف الدم، وأدمته حالات النزوح والتشرد، بعدما كان الشعب عزيزاً في أرضه وكريماً في بلاده.

وبالتالي، فإننا نشد على أيدي كل الذين يدعون إلى الحوار من المعارضة والموالاة، ونأمل أن يمدوا أيديهم إلى بعضهم البعض، اليوم قبل الغد، حفظاً لشعبهم وقوة بلدهم، ورداً على الذين يريدون لهذا البلد أن يعود مئات السنين إلى الوراء، كما نريد للعراق أن يسير في خط الحوار، هذا البلد الذي بدأ الانقسام يزحف إلى داخله، من خلال حديث عن صوملة له أو تقسيم، أو عن جيش هنا أو هناك يحمل طابعاً مذهبيّاً.

ونريد للحوار الجاد والموضوعي أن ينطلق في البحرين، فلا يقف عند حدود الإعلان، ولا يكون مادةً جديدةً للاستهلاك، أو مجرد مبادرة سياسية تُبقي هذا البلد في إطار المراوحة والانتظار، ريثما تنضج بعض الظروف السياسية الداخلية في البحرين أو المنطقة.

حماية القضية الفلسطينية

ونعود إلى فلسطين، التي كنا نأمل من منظمة التعاون الإسلامي التي وجدت أساساً لأجلها، أن تأخذ الحيز الأكبر من اهتمامها، فلا تطرح هذه القضية من الجانب المالي والاقتصادي، بل من باب التفكير في استراتيجية إسلامية لحماية هذه القضية من الكيان الصهيوني الذي يستفيد من كل هذا الواقع، ليثبت احتلاله لفلسطين وللأقصى، ويواصل تهويده للقدس، وإزالة المعالم الإسلامية والمسيحية فيها.

لبنان: الحفاظ على السلم

أما لبنان، فنأمل أن يكون قد تجاوز الكمين السياسي والأمني الذي نصب له، وخصوصاً في تطورات الحادث المؤلم في عرسال، وتداعياته التي لم تطاول المؤسسة العسكرية وحدها، بل كادت تطاول السّلم الأهلي في الصّميم.

ولعل الخطورة الكبرى تكمن في الخطاب الذي انطلق به البعض بعد هذا الحادث، والذي اتجه به خلافاً للمعطيات الواقعية والموضوعية، نحو المسألة الطائفيّة أو المذهبيّة، ما كاد يدفع بالبلد نحو مزيد من الانخراط في تفاصيل الأزمة السورية وتشعباتها.

إننا نتطلع إلى جميع المؤثرين في الساحة البقاعية بخاصة، واللبنانية بعامة، أن يكونوا إطفائيين، وأن يعملوا على بلسمة الجراح بدلاً من نكئها، بالمبادرة الجامعة والكلمة الطيبة، وأن يتحركوا من منطلق رئيس عنوانه الحفاظ على الجيش، كونه الراعي الأساس لمسيرة السّلم الأهلي الّتي نريدها ألا تتعرض لأيّة انتكاسة، كما نريد لدماء اللبنانيين أن لا تحفظ، وأن لا تسقط إلا في مواجهة العدو الصهيوني.

إنّنا ندعو إلى معالجة هذه القضية بهدوء وموضوعية وجدية وحكمة، بحيث يواجه كل مسؤوليته أمام ما حصل.

وعلى الدولة ألا تدفعها هذه الحادثة المؤلمة إلى الهروب من واجباتها تجاه الناس، سواء ما يتصل بأمنهم أو بمتطلباتهم الاجتماعية، أكانوا من المعلمين أم الموظفين والعمال وغيرهم.

أما القانون الانتخابي الذي لا يزال رهين المشاكل والتعقيدات الداخلية والأوضاع المحيطة، فنأمل أن يصل المعنيون إلى حل لأزمته، ينطلق من الداخل وبصيغة لبنانية جامعة، لا أن نبقى في دوامة الهمسات الآتية من الخارج، أو أن يبقى الرهان على تبدل موازين القوى في هذا المحور أو ذاك.. تعالوا إلى الحسابات الوطنيّة الجامعة، بعيداً عن كل الاعتبارات والحسابات.

...............

انتهی/212